20‏/01‏/2015

ما بعد القنيطرة..بتوقيع عماد مغنية

علي شهاب | السفير اللبنانية

بينما كان الاعلام الاسرائيلي والعربي والدولي يتداول التقديرات والتحليلات حول تبعات الغارة الاسرائيلية في القنيطرة، كان الجيش الاسرائيلي يقوم بتحريك رادار «سوبر باين» المرتبط بمنظومة الدفاع الجوي «آرو» (السهم) المخصصة للتعامل مع صواريخ باليستية متوسطة وقصيرة المدى من خلال تفجيرها في الطبقة العليا للغلاف الجوي.
ومنظومة «آرو» هذه، جرى تعزيز عملها عبر دمج آلية الرصد فيها بواسطة طائرات من دون طيار تحوي مجسات فائقة الدقة تعمل بالتكامل مع الرادار الأميركي العملاق «أكس باند» الموجود في صحراء النقب، كما يمكن دمجها بنظام الصواريخ الإعتراضية «باتريوت ــ باك -٢».
وكان لافتا للانتباه أنه قبيل الغارة وخلالها وبعدها، شهدت أجواء أكثر من منطقة تحليقا مكثفا لطائرات الاستطلاع الاسرائيلية.
هذه المعطيات تعني أن اسرائيل تتوقع ردا ثنائي الاحتمال: من «حزب الله» او من ايران.
والعامل الايراني هذه المرة لا يمكن اغفاله بناءً على المحددات التالية:
- يُعتبر العميد الايراني محمد علي الله دادي بمثابة مستشار للشؤون السورية في «الحرس الثوري». وقد تقصد «الحرس» هذه المرة الإعلان بشكل علني ورسمي عن استشهاد قيادي في صفوفه في الجولان عند الحدود مع اسرائيل لايصال رسالة مفادها ان لايران نوايا عسكرية جديدة وحقيقية في كسر الحلف الاسرائيلي ــ التكفيري متزامنة مع رسائل سابقة قرأتها تل ابيب جيدا منذ فترة بتفعيل تسليح خلايا الضفة الغربية.
- ان رتبة وموقع ودور العميد الايراني تستوجب الرد.
- ان الرد هو مسؤولية ايرانية أيضًا انطلاقا من كلام الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصر الله في مقابلته الأخيرة عبر شاشة «الميادين» بشمولية رد المحور ككل على أي اعتداء اسرائيلي في سوريا.
عودٌ على بدء، وبعيدا عن التقارير الإعلامية والتحليلات، هناك مؤشران يجب متابعتهما حاليا:
- اعادة انتشار او تحريك القوات الاسرائيلية عند الحدود مع لبنان.
- نشر بطاريات «القبة الفولاذية» في اسرائيل.
على من يود التنبؤ بمآل الأمور تقفي تفاصيل أي حركة اسرائيلية بالتحديد لأن المؤشرات من الجهة المقابلة ستكون بكل بساطة معدومة؛ فالعارف بعقل القيادي المقاوم عماد مغنية البارد في هكذا محطات يُدرك أن «الحاج رضوان» قد رسّخ أنماط تفكيره في صلب آليات عمل المقاومة، في مشهد رسمه ذات مرة رسام كاريكاتير اسرائيلي: تقوم اسرائيل بصفع «حزب الله» وتنتظر الرد من جهة محددة، فتفاجأ ببرودة الحزب حتى يفاجئها بلكمة تُفقدها التوازن في توقيت غير متوقع تكون فيه عاجزة عن الرد تماما.
لنعد قليلا الى الوراء، تكاد عملية تفجير العبوة الناسفة بدورية اسرائيلية مؤللة عند مرتفعات مزارع شبعا في الشهر العاشر من العام 2014 تختصر حكاية سياق الصراع بين «حزب الله» واسرائيل في السنوات الثلاث الأخيرة.
حملت تلك العملية ابعادا امنية وعسكرية وسياسية تبدأ في شبعا وتنتهي في الدول التي تدعم المقاومة.
ولأن الازمة السورية المتغير الأول في ديناميات الصراع، يمكن اعادة رسم توازن الردع من دمشق: في السابق كانت تقديرات الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية تنطلق من احتمال اندلاع حرب مع «حزب الله» وتوسعها لتشمل مشاركة سورية دعما للحليف الأصغر، ولكن النقاش في اسرائيل الآن هو في احتمالات انطلاق الحرب من سوريا واتساعها لتفضي الى مواجهة مع «حزب الله».
وهكذا جعلت اسرائيل نفسها والمنطقة أمام سيناريو «حافة الهاوية»، بعدما راكمت الاحداث المتدحرجة (الاعتداءات والاغتيالات السابقة) جبل الرد القادم. وهذه المرة، مهما كان التوقيت وحجم الرد، ستواجه اسرائيل صعوبة كبرى في تحديد مراكز الثقل التي ستؤدي ضربة واحدة لها لانهيار قوة الإرادة لدى المقاومة، لأن معادلة الردع قد اجتازت حدود الحديث عن فرضية سحق «حزب الله» او كسره، واقصى ما يمكن ان تطمح اليه اسرائيل في اي مواجهة مقبلة هو الحد من حجم الدمار في جبهتها الداخلية، فكيف بوضع اسرائيل في مواجهة جبهة تقوم منذ سنوات بتعزيز آليات عمل غرفة عمليات مشتركة تعتمد اسلوب عماد مغنية الهادئ والحاسم في الرد في لحظة معينة.. من خارج الحسابات الاسرائيلية.

18‏/01‏/2015

استشهاد عدد من مجاهدي حزب الله في القنيطرة السورية.


اعلن حزب الله عن استشهاد عدد من مجاهديه إثر تعرضهم لقصف صاروخي اسرائيلي أثناء تفقد ميداني لبلدة مزرعة الأمل في القنيطرة السورية، بينما اكد مراسل قناة العالم استشهاد جهاد مغنية نجل الشهيد عماد مغنية في القصف.
اليوم الاحد بان حزب الله اصدر بيانا حول استشهاد عدد من مجاهديه.
وقال البيان "اثناء قيام مجموعة من مجاهدي حزب الله بتفقد ميداني لبلدة مزرعة الامل في منطقة القنيطرة السورية. تعرضت لقصف صاروخي من مروحيات العدو الاسرائيلي مما ادى الى استشهاد عدد من الاخوة المجاهدين الذين سيعلن عن اسمائهم لاحقا بعد إبلاغ عائلاتهم الشريفة".

14‏/11‏/2014

معركة شرق المتوسط والعدوان على البحرية المصرية!

إعلان القاهرة: مصر واليونان وقبرص في المعركة

في ٨ نوفمبر (تشرين ثاني) الجاري أصدرت القمة الثلاثية بين الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي"، والرئيس القبرصي "نيكوس آنستازيادس"، ورئيس الوزراء اليوناني "آنتونيس ساماراس"، بيانا عرف بإعلان القاهرة، يؤطر التعاون بين الدول الثلاث في شرق المتوسط!  وهي خطوة بالغة الدقة والأهمية نظرا لما للأطراف من صراع مصالح مع تركيا، فقد كان نص الإعلان جريئا في عدة مواضع كان أهمها:

(١) التأكيد على "احترام سيادة جمهورية قبرص (أو قبرص اليونانية) على نطاقها الاقتصادي، ودعوة تركيا للتوقف الفوري عن أعمال المسح السيزمولوجي (التنقيب عن الغاز والبترول) في المياه الإقليمية القبرصية"، وخلفية هذا البند هو إرسال تركيا لسفينة مسح سيزمولوجي للمياه القبرصية، وكذلك بارجة حربية تركية تقف على بعد تسع أميال بحرية من سفينة تنقيب منحتها قبرص اليونانية حقوق التنقيب عن الغاز، حيث اعتبرت تركيا هذا التصرف حفاظا على حقوق القبارصة الأتراك (جمهورية شمال قبرص التركية)

(٢) الدعوة لإنهاء المشكلة القبرصية، وتوحيد الجزيرة وفقا لقرارات الشرعية الدولية، وجدير بالذكر هنا أن جمهورية قبرص الجنوبية معترف بها دوليا في الأمم المتحدة، وتتبادل التمثيل الدبلوماسي مع كل دول العالم! بينما جمهورية شمال قبرص التركية  (المحتلة من قبل تركيا منذ ١٩٧٤م) غير معترف بها إلا من تركيا! هكذا ترتد "شرعية أردوجان" في نحره.

(٣) الإشارة لثروات الطاقة التقليدية في شرق المتوسط، والاستناد إلى مرجعية قانون البحار الدولي، وعزم الدول الثلاث على المضي قدما في ترسيم الحدود البحرية لها! (أو بمعنى أدق إكمال ما بدأته مصر مع قبرص من ترسيم الحدود في عام ٢٠٠٣م) وهذا هو المؤشر الأخطر لتركيا، حيث يعني ترسيم الحدود مع دولتين عضوتين في الاتحاد الأوروبي حفظ حقوق مصر وحقوق الدولتين في ثروات مياهها الإقليمية، وانعدام المنطقة الضبابية التي تستغلها تركيا وإسرائيل للتنقيب عن البترول، فضلا عن ضمان الاعتراف الدولي الفوري بهذا الترسيم للحدود البحرية.

(٤) تغير لغة الدول الثلاث إزاء الأزمة السورية، بالتأكيد على عملهم بالتنسيق مع المبعوث الدولي للأمم المتحدة "ستيفان دي مستورا"، والذي صرح "بان كي مون" أنه عينه بعد تشاور مع جميع الأطراف بما فيها السلطات السورية! وكذلك نائبه المصري "رمزي عز الدين" سفير مصر السابق في برلين. هذا التغير الذي تجاهل أذناب تركيا في الأزمة السورية، شكل تغييرا واضحا، يعكس إدراك دور تركيا في الأزمة السورية، ودافعها لهذا الدور وهو المياه الإقليمية السورية كشريك في ثروات الغاز شرق المتوسط.

(٥) تجاهل البيان الإشارة لإسرائيل كشريك في غاز شرق المتوسط، وأشار عوضا عن ذلك لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته وفقا لقرارات الأمم المتحدة.

 

لم يكن إعلان القاهرة هو التحرك السياسي-الاقتصادي المصري الوحيد ضد "خليفة المجرمين" في تركيا، فقد سبقه بأسبوعين إعلان وزارة النقل عزمها عدم تجديد اتفاقية الرورو، التي تنتهي في مارس المقبل، والتي يتم وفقا لها شحن البضائع التركية إلى موانيء دمياط وبورسعيد، ومنها برا إلى ميناء السخنة، حيث يتم شحنها عبر البحر الأحمر لأسواق الخليج العربي، وبهذا تستفيد تركيا من تجنب رسوم المرور في قناة السويس!!

 

تصريحات قائد البحرية التركية بين التهوين والتهويل

صرح "آدم بستان-أوغلو" قائد البحرية التركية، في ٩ نوفمبر الجاري (اليوم التالي لإعلان القاهرة)، أنه "تسلم قواعد الاشتباك الجديدة في شرق المتوسط من القيادة العامة للقوات المسلحة، والتي فوضتها الحكومة التركية في التطبيق الفوري لقواعد الاشتباك المعدلة عند الحاجة لذلك، بعد تزايد الاحتقان مع الدول المعنية بالتنقيب عن الغاز والبترول في شرق المتوسط وهي مصر وقبرص اليونانية وإسرائيل". وقد تناول الإعلام عندنا - على لسان الخبراء الاستراتيجيين العظام - تلك التصريحات بتهوين شديد، حيث قال بعضهم أنه مجرد تصريح روتيني في حالة تعرض تركيا ومياهها الإقليمية للاعتداء!!! وهو ما يدل أن جناب الخبير لم يقرأ نص التصريحات قبل التعليق عليها! تلك التصريحات كانت ردا مباشرا على إعلان القاهرة، في حالة إعلان تحدي! حيث تضمنت تصريحاته أن قواعد الاشتباك المعدلة تتضمن "مواجهة أي قطع بحرية مصرية أو قبرصية أو إسرائيلية في مناطق التنقيب"، كما تتضمن حماية باخرة التنقيب "بارباروس خير الدين باشا" التي أشار إليها إعلان القاهرة بوصفها عملا غير مشروع في النطاق الاقتصادي لقبرص، كما أشار "بستان-أوغلو" أن البحرية التركية تراقب سفينة الشركة الإيطالية-الكورية، التي منحتها قبرص حق التنقيب، من مسافة تسعة كيلومترات، وأن التعليمات "حتى الآن" هي عدم الاقتراب منها أو التحرش بها مباشرة!

 

العدوان على البحرية المصرية أمام سواحل دمياط!

على بعد قرابة ٨٠ ميل بحري شمال دمياط يقع حقل "لافياثان" الذي تستخرج منه إسرائيل الغاز، كما يقع حقل "آفروديت" موضع النزاع بين قبرص وتركيا، وعلى مسافة أقرب تقع الحقول التي تستكشفها شركة شل مصر بتفويض من وزارة البترول والطاقة، وكذلك حقول تستكشفها شركات صينية- مصرية منذ ٢٠٠٥م. كل هذا في المنطقة شمال دمياط! لهذا فمن حيث التوقيت والموقع الذي ارتكبت به جريمة العدوان، وبغض النظر عمن قام بها بالوكالة عن غيره، فالمنطق يوجه أصابع الاتهام نحو تركيا أو إسرائيل، أو نحوهما معا! تركيا ذات العلاقات الاقتصادية والعسكرية المتميزة مع إسرائيل (بعيدا عن مسرحية مرمرة) تشكل حلفا مضادا للحلف الذي أعلنته مصر في قمة القاهرة. وهذه الجريمة حلقة من حلقات صراع طويل ومرير، والإرهاب في سيناء وفي سوريا هو بدوره حلقة من حلقات ذلك الصراع.

 

لو كان كلينتون قد صدق في شيء، فهو قوله "إنه الاقتصاد يا غبي" .. إنه الاقتصاد دائما.

 

والآن: ألا تستحق تلك المعركة المصيرية التي تستخدم فيها أذناب الإرهاب التكفيري، لإرهاق الجيوش العربية قبل أن يأتي وقت المعركة المباشرة مع الجيوش المعادية، ألا تستحق تلك المعركة كل الانتباه؟ أم نظل مشغولين بتسييس الفضائح الجنسية وحالات الاكتئاب والانتحار. 

بقلم الكاتب الدكتور / إياد حرفوش

06‏/11‏/2014

عاشوراء والنقد المحرم

بسملة الحديث أننا نعيشُ في مجتمعاتٍ لا تحترم النقد ولا تُمارسه.
في الغالب تنبذُ بيئتُنا أولئك «الناقدين» الذي يَكفُرون بالسائد في المجتمع، حتى وإن كان ترفاً دينياً مُستحدثاً.
العقلُ الجمعيّ للبيئة النمطيّة يكتمُ أصواتَ الداعين إلى تنقيح الخطاب الديني من شوائبه، في حين أنّ التطوّر المعرفيّ لم يكن _ولن يكون يوماً_ حركةً صامتة.
لا بُدّ من بعض الصّخب في طرح المسائل الدينيّة الملحّة، وتحديداً تلك التي تمسّ الواقعَ بشكلٍ جارحٍ، حينَ تنحرفُ بعض المرويات أو الطقوس عن مسار العقل وروح التشريع.
ولنجترح مصطلحاً، «الصّخبُ الرساليٌّ» ضرورةٌ قصوى لحفظ الرسالة واستدامتها عندما تشارف بعض الثوابت الدينية على التزحزح، تماماً كما كانت «الثورةُ الرساليّةُ» ضرورةً لإنقاذ الدين برمّته من مجتمعٍ استحوذ عليه جهلٌ كافر.
هذا _من حيث المبدأ_ تبريرٌ وافٍ لجرأةٍ قد تتضمنها السطور التالية.
«عاشوراء».. المفردة التاريخيّة الأكثر انتصاراً للوعي، باتت تُستهلك في خطابٍ وطقوسٍ أبعد ما تكون عن جوهرها.
وثورة الحسين «المُصلح»، باتت مقتل الحسين «المظلوم».
هذه هي الضربةُ الكبرى لمشروع الحسين الذي أطلقهُ عبر التاريخ، ومن هنا ينبغي أن تُطلق ثورةُ وعيٍ جديدة.
أزمةُ المنبر
ذات دمعةٍ شجيّة، وحين كان قارئ مسجدنا _جميل الصوت_ ينقلنا إلى أجواء المصيبة والحزن، استفاق حسّ النقد لديّ فجأةٍ على وقع بعض الأفكار.
كان الخطيبُ يحكي قصّة العباس بن عليّ، وهو يُقاتل الأعداء ببسالته المشهودة، حتى قتل منهم ألف رجلٍ ونيّفاً!
ألفُ رجلٍ بما يعنيه العدد؟!
استفزّني الأمرُ بحيث استغرقت في حساب الوقت وتوزيعه على عدد القتلى: «لو أنّ كلّ رجلْ قتله العباس استغرق نصف دقيقةٍ لا أكثر، فسيحتاج إلى أكثر من خمسمئة دقيقة... أي قرابة العشر ساعات... معركة عاشوراء كلها لم تتجاوز ساعتين من نهار... كيف حصل ذلك! ثم من يمكن لهُ أن يفري كل هذا الوقت من دون لحظة راحة. وماذا ترك لغيره».
لم تتوقف الأفكار بسهولة، كما لم يرق لي أنّ مسألةً بسيطةً كهذه أبعدتني من سياق الوجدان الذي يحيط بي.
الجمهور غارقٌ بدموعه، ويبدو أن لا فسحة للتأمل في ما يُطرح من أفكار.
المعادلة إنسانية محضة، عندما يتصاعد الوجدان حدّ البكاء، لا ريبَ في أنّ الإنسان يفقدُ بعض موضوعيّته، وفي هذا مدعاةُ خوفٍ على البيئة التي لا تردُّ فكرةً غُلّفت باسم الحسين، حتى لو كانت خاطئة.
المثال الآنف من أبسط ما يُمرّر بالفعل، ثمّةَ موارد أُخرى لا يُحترم فيها العقل ولا تُراعى فيها حقائق التاريخ، وتنقية «المجلس الحسيني» منها انتصارٌ لهُ وليس طعناً فيه كما يراه المتحمسون.
من جملة ذلك، أنّ قرّاء المصائب يستحضرون شخصياتٍ ماتت قبل سنواتٍ من واقعة كربلاء، ليخلقوا مشاهدَ حزينةً تستدرُّ الدمعة.
للحسين ولدٌ اسمه علي الأكبر، أمّهُ ليلى توفيت قبل حادثة عاشوراء بسنواتٍ ثلاث، غير أننا نرى الكثير من القرّاء يستحضرون مشهدها وهي مغمىً عليها في خيمتها، لا توقظها سوى دمعات ابنها العائد من ميدان الموت، بعد أن يضع رأسها في حجره وتتساقط دموعهُ على خدّيها!
أيّ مشهدٍ سينمائيٍّ هذا الذي نختلقهُ من دون حياءٍ تاريخيّ، وأية مراهقةٍ علميةٍ تلك التي يرتكبها بعض من لا يحملون فكر الحسين، ولا يسيئون بعبثهم هذا إلّا إلى منهجه الناضج في المعرفة.
القاسمُ بنُ الحسن (وهو ابن أخ الحسين) لم يكن يتعدّى الثلاث عشرة سنة في كربلاء، تُصوّره بعضُ القراءات عريساً على ابنة الحسين التي لم يتجاوز عمرها العشر! وأنّ الحسين قد عقد قرانهما ثمّ أرسلهُ إلى المعركة ليموت... وتُرسَلُ الدموعُ على وقعٍ حادثةٍ لم تحصل يوماً. الكثير من الشخصيّات مسّها أذى هذا الانفلات المنهجي الذي يبرره صانعو البكاء، في حين أنّ حقيقة الأحداث المروعة التي شهدتها تلك الملحمة هي بغنىً فعلاً عن أيّ تشويهٍ أو إضافةٍ مصطنعة. 



ولعلّ الثغرة المعرفيّة الأكثر خطورةً في ما تذهبُ إليه بعض المنابر، هو كلامُ وأشعارُ «لسان الحال»، حيث يُمرِّر الخطيب أو الشاعر ضمنها كلّ ما من شأنه استثارة الدمعة واستدرار العاطفة، مهما بلغ به الإسفاف في بعض الحالات.
الأمثلة هنا أكثر من أن تحصر، والتشويه الذي يطاول شخصيّاتِ ثورةٍ حضاريةٍ كثورة الحسين يكاد يطغى على دورها الرئيس.
ولعلّ من أهمّ توصيفات ذلك؛ ما عبّر عنه المفكّر الشهيد مرتضى مطهري في كتابه القيّم «الملحمة الحسينيّة»: «أما الشهادة الثالثة للحسين، فكانت عندما استشهدت أهدافهُ على يد البعض من أهل المنبر الحسيني، وكان هذا هو الاستشهاد الأعظم، فالحسينُ ظُلم بما نُسب لهُ من خرافات وأساطير، ظُلم لأنّ تلك الروايات عتّمت على أهداف ثورته ومقاصدها، ظُلم على يد الرواديد ومن اعتلوا منبره ونسبوا له ولأهل بيته حوارات ومواقف وهميّة ملؤها الانكسار لاستدرار الدمع، فصوّروه وهو المحارب الجسور الذي افتدى مبادئهُ بروحه ودمه، وهو يلتمس الماء بكلّ ذلٍّ ومهانة من أعدائه! وصوّروا أخته زينب _الطود الشامخ_ التي دخلت على الطاغية يزيد فزلزلتهُ بخطبتها، على أنّها امرأةٌ جزِعةٌ بكّاءة تُثبّطُ همّةَ أخيها في الحرب!».
وتمتدُّ المبالغات أحياناً لتطرح الحسين في صورة الكائن الخارق للطبيعة، غيرَ أنهُ عطّل إمكاناته اللامحدودة نزولاً عند الرغبة الإلهيّة، وهو ما يُخرِج حركة هذا القائد «الإنسانيّ» الفريد عن حقيقة الغايات التي ضحّى لأجلها.
الحسين كان إنساناً كامل الإنسانيّة، ولوثة الغيب المطلق في تصوير شخصه أو قدراته المسيطرة على الوجود هي أكثر ما يخدش موقعه الرياديّ كـ»قدوةٍ» في حياة الإنسان الملتزم.
وإن كان مرجع هذه المسائل إلى محبةٍ طائشةٍ فلا أقل من وصف مرتكبيها بالسذاجة وضحالة الوعي.
وإن كان جهداً ممنهجاً لتفريغ الثورة وخنقها بالمرويات المكذوبة، فلعلّنا لسنا بحاجةٍ إلى توصيف.
لطالما كان اسم «المنبر الحسينيّ» شارة فخرٍ عريضٍ تزيّن صدور حامليه، وليكن ذلك لمن يمتلكون جدارته.
إنما في واقع الأمر، لم تستطع الكثير من المنابر التي حملت اسم الحسين مجاراة الفكر الثوريّ الذي جسّده الرجل، عمقاً وحركيةً وخطاباً.
وبات اختزال الثورةِ في بعدها الشخصيّ وقسوة أحداثها الإنسانيّة أحد أكثر الأخطاء المحدقة ضرراً.
من الموضوعية الإشارة إلى أنّ منابر كثيرةً حافظت على قيمة الوعي، وباتت مدارس متكاملة المعالم في هذا الإطار، الشيخ الوائلي مثّل رائدها الأبرز في أمسنا القريب. وهو ذاته الذي اشتهر بقوله: «ثمّةَ من يريد أن يشوّه ثورة الحسين إلى درجةٍ يحوّلوننا فيها إلى مخرّفين في أنظار المجتمعات... الحسين فكرة، الحسين وعي، الحسين رسالة».
صناعة الطقوس 
لعلّ الطقوس هي الحلقة الأكثر إحراجاً في الموضوع، إذ إنّ «التطوّر» المتسارع في ابتكار الجديد، وضعف القيادات العلميّة أمام تيّار الشارع، يفتحُ الباب لكلّ موضةٍ تُدرَجُ تحت عنوان «الشعائر».
وفي مدرسةٍ علميةٍ عريقةٍ تغنّت طوال تاريخها بأنها «ابنة الدليل حيثُما مال تميل»، يكون اجتراحُ طقوسٍ لا دليل عليها سُبةً علميةً كبيرة.
الدينُ بكلّه نتاج العقل والعلم، وصناعةُ طقوسهُ _حتى المستحبة منها_ محتكَرةٌ بيد المشرِّع، أو الشخصيّات المعصومة التي تنقل التشريع، وهذا ما يُكسبُ الحالة الدينية انضباطاً واحتراماً.
لكن... ما الذي يحصلُ حينَ ينفلت الأمرُ من عقاله، ويصبح لكلّ من يحمل لواء المحبة أن يخترع طقسه؟
كيف أصبحت ظاهرةٌ دمويّةٌ كالـ»تطبير» رائجةً في مدرسة العقل، وهي مستحدثٌ منقولٌ من ثقافاتٍ همجيةٍ معروفة، لا دليل علميّ لها، فضلاً عن أذاها المحرّم للجسد، وتشويهها المؤذي لصورة الدين.
ومن الذي فتحَ الباب أمام «المشي على الجمر» ليُصبحَ احتفالاً عاشورائياً (حتى في بعض الدول العربيّة _البعيدة من هذه الطقوس_ للأسف).
كيف باتت «ركضةٌ» انفعالية لقارئ مجلسٍ _منذُ قرابة الخمسين عاماً فقط_ طقساً مُقدّساً عند بعض مراقد السياحة الدينية؟!
متى أصبح طلاء الرأس والوجه بالطين عزاء؟! وكيف يُبرر البعض لمن يزحف داخل المقامات على بطونهم أو ظهورهم، وأولئك الذي يُعلّقون السلاسل في رقابهم ويمشون على الأربع!
أمام ذلك كلّه... ما الذي سيدور في خَلدِ «الحسين» لو كان حاضراً يرقبُ رواج هذه المشاهد الرجعيّة، باسمه!
إلى أين يمكنُ أن تودي هذه الغوغائيّة في صناعة طقوس الدين؟ وهل يمكنُ تخيّلُ معالم المستقبل الفوضويّ الذي سترسمه؟
أسئلةٌ كهذه لم تعد استشرافاً للمستقبل، بل أصبحت واقعاً ينبغي تدارُس ارتداداته وآليات علاجه. وسوى ذلك، فإنّ الحالة الدينية في طريقها المحتوم للابتعاد من الوعي شيئاً فشيئاً، بدءاً بالطقوس وانتهاء بالأفكار والمعتقدات.
النقطة الحساسة الأخرى في هذا الموضوع أنّ «القيادات الدينية» باتت بالفعل أضعف من مواجهة بعض الطقوس الجديدة غير المنضبطة، فالتيار المتحمّس الجارف يذهبُ بقسطٍ كبيرٍ من القواعد الشعبيّة، وقليلةٌ بالفعلِ هي تلكَ القياداتُ القادرةُ على ضبط الشارع. كما أنّ ضعف متابعة شريحةٍ من هذه القيادات للأثر الإعلامي وصناعة الصورة أمام الرأي العام، تتركهم من دون تقدير مدى الضرر الذي تلحقهُ نظريّات مثل: «كل ما من شأنه تعظيم ذكرى الحسين فهو جائز». وفي هذه «الكليّات» من الاتساع ما يسمحُ حتى لأخطر السلوكيات بالدخول تحت عباءتها واكتساب لونٍ من الشرعيّة والمصداقيّة!
إنّ الغنى الذي تكتنزهُ ثورة الحسين بن علي، فكرياً وسلوكياً ورساليةً ناضجة، أعظم بكثيرٍ من دفنها تحت ركام هذه الطقوس الرجعيّة. وبقدر ضرورة الإحياء الدوريّ والمستديم لهذه المناسبة، فإنّ ثورة التصحيح فيها ضرورةٌ أيضاً.
الحسينُ ليس شيعيّاً 
هذه العبارة بالذات مسؤوليةٌ عابرةٌ للمذاهب؛ فواقعُ الأمر اليوم أنّ «الحسين النموذج» يكاد يُحاصَر ضمن عنوانٍ طائفيٍّ واحد (مع وجود استثناءات محدودة).
ليس لنا أن نلومَ أولئك الذين يعيشون الذكرى همّاً سنوياً متصاعد الإحياء، غير أنّ العتبَ يمسُّ المتفرّجين على الذكرى وكأنها حصّةُ غيرهم من الدين.
ليس في اللغة ههنا تعريضٌ بطوائف أخرى، لكنّ عدم العناية بحركةٍ ثوريةٍ إصلاحيةٍ لحفيد رسول الدين _والتي كانت أحد عوامل بقاء الدين الرئيسة_ يُعتبرُ إجحافاً بحقّه من جهة، وبحقّنا في مكاسب الثورة من جهةٍ أخرى. في المبدأ... تعمّد الحسين حَرفية شعاره الذي أطلقه: «خرجتُ لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله»، ولم يحصر الثورة في حساب المنتمين إلى مذهب أبيه أمير المؤمنين؛ وهو ما ينبغي أن يُلحظ ويُعمم.
الحضارة الإسلاميّة تمتلك أيقونةً إنسانيةً فريدة اسمها «الحسين بن علي»؛ تكاد في روعتها وتكثيف القيم الحضارية التي أطلقتها تذهلُ كلّ مفكرٍ حول العالم، فغاندي و كارل بروكلمان وهنري ماسيه والكثير من الأسماء الكبيرة الأخرى، لم يكونوا ليلامسوا ويُكبروا تجسيداً أسمى لقيم الإصلاح ونموذجيّة الثورة لولا هذه الملحمة.
وهو ما ينبغي استغلالهُ ليصبّ في مصلحة الدين ككل؛ كمنظومة قيمٍ ومشروعٍ حضاريٍّ خاتم (أوسع من عصبيات المذاهب ومراهقاتها البينيّة).
أمام ذلك كلّه... ورغم تسارع المشاهد وتعالي الأصوات المنفعلة للانفلات من كلّ عِقالٍ علميٍّ أو تاريخيّ، من الجدير بنظريّةٍ راقيةٍ لحفيد الحسين الإمام جعفر الصّادق أن تضع سقفاً لمزايدات المتحمسين أو المشككين: «قليلٌ من الحق، يُغني عن كثيرٍ من الباطل».
هذا هو منطق المعرفة ومنطلق الوعي، وجوهر ثورة الحسين الذي يكمنُ في فكره قبل سيفه
علي عباس .
* باحث وأستاذ حوزوي

13‏/06‏/2011

مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الإنجليزي يكشف:«آل مبارك» أخفوا أصول ممتلكاتهم قبل «التنحي» بساعات

مفاجآت عديدة فجرتها المستندات التي حصلت عليها «روزاليوسف» حول الطرق التي لجأ إليها الرئيس المخلوع حسني مبارك وزوجته ونجلاه علاء وجمال لإخفاء ثرواتهم في الدول الأجنبية المختلفة حيث أكدت المستندات الصادرة من مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الإنجليزي أن عائلة «المخلوع» قامت بنقل ملكيتها لعقار «ويلتون بالاس» في لندن قبل أيام من تنحي «مبارك» فضلا عن تأسيسها شركات عديدة منها «ميدانفيست المحدود» و«بوليون» المحدودة في إنجلترا وقبرص لإخفاء أصول ممتلكاتهم والمساهمة في خصخصة القطاع العام المصري.

ففي الوقت الذي تضاربت فيه التصريحات والأرقام والمعلومات حول حجم ثروة الرئيس المخلوع وأسرته كان مكتب مكافحة جرائم الاحتيال الإنجليزي التابع للمخابرات البريطانية يحقق في عملية منهجية قامت بها أسرة الرئيس السابق لإخفاء ثرواتها في بنوك العالم المختلفة.

بداية الخيط الذي أمسك به المكتب من واقع المستندات الأولية التي عمل عليها المكتب الإنجليزي كان شركات «ميدانفيست المحدودة» و«بوليون المحدودة ليماصول - قبرص» وحورس وهيرمس.

في البداية يجب أن نوضح خلفية عن مكتب «إس إف أو» الإنجليزي الذي يترأسه «ريتشارد ألدرمان» المدير الحالي لتلك الوحدة المكونة من 300 عنصر من أفضل العناصر المحترفة في تتبع جرائم المال والاقتصاد بالعالم، وهي الوحدة التي انفصلت عن المخابرات الإنجليزية في عام 1987 ليؤسس ما يعرف حاليا بمكتب مكافحة جرائم الاحتيال حيث لا تحقق في قضايا تقل المبالغ فيها عن مليون جنيه استرليني وذلك طبقا لنص المادة 2 من قانون الإجراءات الجنائية الإنجليزي المعدل بتاريخ 1987 والخاص بإنشاء هذه الوحدة الخاصة.

أما «ألدرمان» المحامي العام الأسبق لوحدة مكافحة جرائم التهرب الضريبي والجمارك الذي يترأس الوحدة حاليا فهو الذي يحقق بالاشتراك مع فريق كامل في كيفية قيام أسرة مبارك بإخفاء مصادر ثرواتها عبر العالم، خاصة ما لديها من أرصدة وحسابات بنكية وعلاقات مالية مشبوهة في المملكة البريطانية المتحدة وبشكل عام داخل حدود الاتحاد الأوروبي حيث تمتد صلاحيات سلطاته لدول الاتحاد.

وكان أول الأدلة التي توصلت إليها تلك الوحدة تفيد بوجود شبهة حقيقية حول نشاط جمال مبارك الذي يطلق عليه لقب مهندس إخفاء ثروة الأسرة، وكانت كلمة السر «شعب ميدان التحرير» بعدها بدأت خزينة الأسرار تفتح علي استحياء حيث كان طرف الخيط في البحث هو المبني رقم 28 المكون من ست شقق كبيرة في شارع سلوان التابع لمنطقة نايتس بريدج والمسمي بمبني «ويلتون بالاس» وفي مسمي آخر منزل «بلجرافيا» تيمنا باسم المنطقة الإنجليزي ويبعد عدة أمتار فقط عن حديقة الهايد بارك الشهيرة وكذلك المقر الرئيسي لسلسلة محلات هارولدز وهو ما رفع سعره الشرائي ليصل إلي 20 مليون جنيه استرليني في مايو 2011.

واكتشف المكتب أن ذلك المبني مملوك لجمال مبارك الذي يحمل الجنسية الإنجليزية كمواطن عبر البحار بعد أن حصل عليها من والدته سوزان ثابت التي تحمل الجنسية الإنجليزية عن والدتها الإنجليزية «ليلي ما بالمز» وتبين أن المبني مسجل في جواز سفره الإنجليزي علي أساس أنه عنوان المسكن في لندن حيث كان يتردد عليه كثيرا مع زوجته خديجة الجمال لقضاء العطلات.

أما أسباب وقوع ذلك المبني تحديدًا في حدود الشبهات فقد كان أهمها أنه مقر شركة تدعي «ميدإنفيست المحدود» إذ تبين للمحققين أنها تابعة سرًا لجمال مبارك حيث أسسها في أغسطس 1996 عقب تركه العمل كموظف في فرع بنك أوف أميركا وبتتبع نشاط تلك الشركة تبين للمحققين عندما توجهوا في صباح السبت 12 فبراير الماضي لبدء التحقيق الرسمي بناء علي أمر السلطات الإنجليزية بضرورة ملاحقة أرصدة «المخلوع» حيث التقوا مديرة المبني التي لم يعلنوا عن اسمها لسرية التحقيقات حيث كانت مرتبكة فأنكرت في البداية أن يكون لجمال مبارك علاقة بالمبني غير أنها لم تنكر نزوله بالمبني عدة مرات كضيف وفشلت في تفسير كلمة «ضيف».

وبعد تضييق الخناق عليها وتقديم المشورة القانونية علي أساس أنها ستحاكم بتهمة إعاقة القانون اعترفت بأن جمال مبارك قد يكون له علاقة بالمحامي الذي يدير المبني في غياب «جمال» ونصحتهم بزيارة المحامي لأنها لا تعرف أكثر من تلك المعلومة الثمينة فتركها المحققون وانطلقوا لمقر المحامي الذي اتضح أنه من أصل هندي ويحمل الجنسية البريطانية ولم نتحصل علي اسمه أيضا لسرية التحقيقات، وفي الحديث معه أنكر وجود علاقة لجمال مبارك بالمبني وراح في محاولة زادت من شكوك المحققين بتوجيه نظرهم إلي أن عائلة مبارك كلها لا تملك في بريطانيا أي أصول مالية وعندما طالبوه وهو يدافع عن عائلة من المفترض أنه لا توجد لديه معلومات عنها بإحضار صك ملكية العقار تردد وتصبب عرقًا ورفض في البداية متعللاً بأن ذلك مخالف للقانون الإنجليزي علي أساس أنها معلومات موكله الذي رفض ذكر اسمه وبعد أن اتصل المحققون بالنائب العام الإنجليزي حصلوا علي تصريح يجبر المحامي بتقديم كل بيانات «العقار اللغز» وبالفعل حضر المحامي، ومعه صك المنزل ومن قبله كان المكتب قد توصل لاسم صاحب العقار المسجل لدي السلطات الإنجليزية حيث تبين أنه كان «جمال مبارك» قبل سقوط حكم والده وأنه لم يستطع حتي تسجيله بشكل كامل لكنه نقل ملكية المنزل لشخص «عماني» يقيم في مسقط لم تستدل التحريات علي معلومات محددة عنه.

من هنا علمت الفرقة المحققة أن هناك أمرًا ما قد حدث في آخر أيام حكم مبارك حيث راحوا ينقلون ملكيات، أصولهم ويغيرون في أسماء الملكية وقد تأكدت تلك المعلومة من الواقعة الثانية من خلال توصل الفريق لمعلومات حول وجود شركة أخري تدعي شركة «ميد إنفيست المحدودة» اتضح أنها أيضا تدخل في ملكية جمال مبارك وتتأكد خطورة المعلومات عندما تصل بيانات تشير إلي أن تلك الشركة لها مكتب آخر علي بعد أمتار قليلة من المبني الأول كانت هي نقطة ارتكاز العائلة في إخفاء مصادر أموالها.

وبفحص ملف الشركة تبين أن ملكيتها تعود لشركاء من بينهم «جمال» لكنها انتقلت مؤخرًا بنفس طريقة نقل الملكية للمبني الأول غير أنها تلك المرة نقلت باسم مؤسسة تدعي «أوكرال» ومقرها في «باناما سيتي» عاصمة الجمهورية البنمية وهو ما أظهر اسمًا آخر تابعًا للأسرة، حيث تأكد المحققون أن الأصول تم تمزيقها في آخر 21 يومًا من حكم مبارك مثلما كشفت صحيفة «صنداي تليجراف» البريطانية في عددها الصادر 12 فبراير الماضي في الوقت الذي ذهبت فيه صحيفة ديلي بييست البريطانية إلي أبعد من ذلك عندما أكدت في عددها الصادر ذات اليوم خبرًا مطولاً نقلاً عن ضابط مخابرات إنجليزي كبير أكد للصحيفة أن المخابرات الإنجليزية كانت علي علم بما يقوم به مبارك وعائلته واستخدامهم طاقمًا محترفًا في عملية التمويه علي الأصول من خلال رصد وتسجيل مكالمة هاتفية للأسرة مع مكتب الخبراء الإنجليزي الذي كانوا يستعينون به في عملية إخفاء الأرصدة وأن تلك المكالمة كانت في صباح الجمعة 11 فبراير الماضي وفيها طلب «مبارك» من الخبراء ضرورة سرعة إنهاء كل شيء حول أرصدته، وذلك علي حد تعبير الصحيفة.

أما المحامي السويسري «كريستوفر مولر» فأعلن أن أرصدة مبارك رغم تمزيقها وإخفائها بخبرة فرق متخصصة لكنها عمليا محاصرة حاليا حول العالم مؤكدًا إمكانية الاسترداد إلا أنها عمليا ستأخذ من 3 إلي 5 أعوام نظرًا لأن الإخفاء كان منهجيا واستند «مولد» إلي معلومات شبكة «سي إن إن» الأمريكية نقلا عن معلومات خاصة بالمخابرات الأمريكية التي أكدت أن عمليات تهريب الأموال من مصر للخارج تركزت خلال الفترة من عام 2000 إلي عام 2008 حيث خرج من مصر في تلك الفترة 57 بليون دولار أمريكي غير أن معلومات «سي إن إن» لم تحدد هوية من قاموا بالتحويلات.

وربما كان ذلك تفسيرا لما أذاعته شبكات الأخبار الإنجليزية المختلفة في عام 2000 في رصدها لقائمة أغني النساء بالعالم وقد سجلوا فيها اسم سوزان مبارك حيث جاءت في القائمة التي شملت الملكة البريطانية الأم وزوجة سلطان بروناي وعدداً من زوجات ملوك الخليج العربي وغيرهن.

ونعود للتحقيق الإنجليزي حيث اتضح للمحققين أن شركة ميدانفيست قد أقامت شركة أخري تدعي «حورس» برأس مال قدره 54 مليون دولار أمريكي وذلك للاستثمار في شراء ما يتم خصخصته من القطاع العام المصري في فترة الخصخصة التي ابتكرها نظام مبارك.

وهنا نتوقف عند نفس العدد من صحيفة «اديلي بييست» حيث أكدت أنه من الخطأ التفكير في أن شخصاً آخر غير جمال مبارك يمكن أن يوصف بأنه مفتاح أموال عائلة مبارك المهربة في تلميح مباشر عن قصة رجل الأعمال الهارب حسين سالم فعلي حد تقدير المعلومات المخابراتية الموثوق فيها فإن الابن جمال مبارك وليس غيره هو المهندس الفعلي والعقل المدبر والمنظم وراء إخفاء الأصول.

في الوقت الذي أسفرت فيه تحقيقات وحدة مكافحة جرائم الاحتيال الإنجليزية عن مصادرة 20 صندوق مستندات من داخل شركة «ميدانفيست» والتحقيق مع مديرها سيد كابا المواطن العربي الأصل الذي يحمل الجنسية الإنجليزية حيث أنكر خلال التحقيق وجود أي علاقة لجمال أو علاء مبارك بالشركة حاليا لكنه لم يخف أن «جمال» كان موجودًا حتي عام 2001 عندما قدم استقالته علي حد زعمه وتركها.

الفريق تشكك في عدة نقاط طرحها ذلك الرجل، حيث اتضح لهم أنه الموظف الوحيد بالشركة وهو المدير وكل شيء، وراتبه يصل إلي 50 ألف جنيه استرليني سنويا أي ما يعادل 80 ألف دولار أمريكي وبسؤاله عن نشاط الشركة أكد أنها برأس مال قيمته 255 ألف جنيه استرليني أي ما يعادل 360 ألف دولار أمريكي.

وطار فريق خاص من المحققين وراء معلومة تأكدت في «ليماصول قبرص» وثقت كذب مدير الشركة، حيث تبين من واقع المستندات التي حصلنا علي نسخة منها ضلوع «جمال» وظهور علاء مبارك كلاعب في الخلفية لأول مرة بشكل موثق فقد اتضخ ان «ميدإنفيست» ليست سوي شركة منبثقة عن شركة مخابراتية كبري تدعي «بوليون المحدودة» ومقرها في مكتب رقم 3 الكائن في مبني ثوماليدس في شارع أوميرو «بليماصول قبرص».

وكانت المفاجأة كبيرة عندما وصل الفريق لمعلومة أن شخصاً يدعي وليد كابا هو مدير بوليون ليماصول وهو إنجليزي الجنسية وتم تعيينه مديرًا في أغسطس عام 1996 أي نفس تاريخ إنشاء شركة ميدإنفيست التي يحققون فيها بلندن، ومن هنا اتضحت الصورة فالأخوان جمال وعلاء قد كونا عدداً من الشركات في هذا العام تحديدا وذلك للبدء في عمليات التمويه علي الأصول.

أما المعلومة التي أكدتها المستندات فهي تم تعيين علاء مبارك في مجلس إدارة الشركة القبرصية في أغسطس 1996 أي أنه موجود بالشركة منذ إنشائها لأنه من المؤسسين ونجد قناة باسم «رانا زين العابدين» تحمل الجنسية القبرصية معهم بالشركة وقبرصياً آخر باسم سقراطس سولوميدس وقبرصياً آخر باسم «عزت جراح» ونفاجأ بالتوصل إلي أن النشاط العام هو المعلومات المخابراتية الاقتصادية لتقديم مشورات خاصة ومحترفة لشركات العالم التي تريد الاستثمار في الشرق الأوسط.